U3F1ZWV6ZTIwNzE4MjAyNDIyNjk5X0ZyZWUxMzA3MDgzMzYwODkyNA==

قصيدة لوعة الشّوق في وادي اللّقاء

 ألا يا ليلَ الصبّ كم فيكَ من كَمَدِ

تَزيدُ الأنينَ على قلبٍ مُجَهَّدِ

أبيتُ أُناجي النجمَ في سَهَرٍ

وكأنَّ السُّهدَ ميثاقي المُؤَبَّدِ


ألا ليتَ الرياحَ تحملُها لَهُفا

إلى دارِها، والبينُ نارُه لم يُخمَدِ

تركتُ القلبَ خلفَها مُبعَثِراً

كالأطلالِ بينَ الرملِ والمُهَنَّدِ


وكم قد وَقفتُ على آثارِ مَوطئِها

أتشمَّمُ الطِّيبَ من لُقيا بلا مَوعِدِ

أراها كما البدرُ في ليلِ التَّمامِ

تُضيءُ الدُّنى بقلبٍ غيرِ مُتَرَدِّدِ


ولمّا نأتْ عنّي، وجافَتْ عيونيَ الكرى

غدوتُ كمن فقدَ في الصحراءِ مَورِدي

أيا زَمنَ الوصلِ، هلاّ عُدتَ مرّةً

أغنّي على جِيدِ اللّقاءِ مُنَشّدي؟


أحنُّ إليها كما حنَّت ظبيةٌ

إلى وادٍ خَضَرٍ بعدَ قفرٍ مُوحِدِ

كأنَّ في كُلِّ نَفَسٍ بقايا أنفاسِها

تَرتعِشُ الشوقَ وتبكي بلا مَقْصِدِ


أيا راحلةً، مهلاً على القلبِ المُتعَبِ

فإنَّ الفراقَ سهمٌ لا يُرَدُّ ولا يُفتَدِ

وهل من لقاءٍ يُطفئُ نارَ الضلوعِ

أم أنَّ المَنيةَ أرحمُ من التباعدِ؟


فيا سعدَ حظٍّ إذَا طالَ عَناقُنا،

وحلَّ السَّلامُ على قلبينِ مُتفَرِّدِ.


لوعة الشّوق في وادي اللّقاء


وصف القصيدة:

في هذه القصيدة، ينساب الحزن بين الكلمات كما ينساب السيل في شعاب الوادي، حيث يصوّر الشاعر آلام الشوق ولوعة الفراق برهافة إحساس توازي أناقة الشعر الجاهلي. يبدأ حديثه بمخاطبة الليل، رفيق الساهرين، الذي يُثقل على قلبه ويضاعف وجعه. يتضح من خلال هذا المدخل أن السهر ليس اختيارًا، بل قدرًا محتومًا على عاشقٍ قد نُفي عنه الوصل.

تتناثر مشاعر التوق في أرجاء القصيدة، حيث يرسم الشاعر صورةً مؤلمة للفراق، تشبه أطلال المنازل المهجورة، فيبحث في مواطئ الحبيبة عن عبقٍ يُنعش ذاكرته. الحبيبة تظهر في خياله كالقمر المكتمل، بهاءً وعذوبة، لكنها بعيدة، لا تُطال إلّا بآهات الشوق التي تتردد في صدره.

ويأتي الألم هنا مضاعفًا، إذ لا يحمل الحبيب أملًا في لقاء قريب؛ فيغدو الليل والصحراء رمزين لعزلته العميقة، التي تجعل انتظار اللقاء كالعطش في وادٍ خالٍ من الماء. ويشبه الشاعر نفسه بالظبية التي اشتاقت لمراعيها الخضراء بعد طول الترحال، في إشارة إلى توقه الجارف للعودة إلى حضن الحبيبة.

في خاتمة القصيدة، يحمل الشاعر أمله الوحيد: أن يحلّ اللقاء، ولو بعد طول عناء، ليضع حدًّا لهذه النيران المستعرة في روحه. فإما أن يلتقي بحبيبته فيهدأ قلبه، أو يصبح الفراق مصيرًا أبديًّا، لا ينهيه سوى الموت الذي يبدو أرحم من ألم التباعد.

إن هذه القصيدة تسير في ركاب الشعر الجاهلي من حيث البلاغة والإحكام، إذ تعتمد على التصوير القوي، واستحضار الرموز الطبيعية، مثل الليل والصحراء والريح، لتعكس ما يعتمل في نفس الشاعر من حرقةٍ وعذاب. كذلك، نجد في القصيدة تناغمًا بين جماليات اللغة وصدق الإحساس، فيتحوّل الألم إلى قصيدةٍ خالدة تشهد على عظمة العشق، ولو كان مؤلمًا.



تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة