يَا أَبَتِ قُدْ بِحِلْمٍ، لَا تُسْرِعِ الْخُطَى
فَالطُّرُقُ غَدَّارَةٌ كَغَمَامِ الْمُعْتَمَى
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ مِنْ لَيْلٍ بَهِيمٍ
أَوْ رِيحِ صَرْصَرٍ تَجِيءُ بِلَا سَمَا
أَنْتَ الْأَمَانُ لِقَلْبِي، إِنْ غِبْتَ يَوْمًا
غَابَ السُّرُورُ، وَعَاشَتِ النَّفْسُ فِي عَنَا
فَإِنْ مَلَلْتَ الطَّرِيقَ فَاحْكِ حَدِيثًا
عَنْ حُلْمِ صِبًى أَوْ عَنْ رُبًى قَدِ احْتَوَى
وَاصْبِرْ عَلَى الضِّيقِ، إِنْ أَبْطَأْتَ سَيْرًا
فَالْعُمْرُ أَغْلَى مِنْ رُكُوبٍ أَوْ نَجَا
لَا تُلْهِ قَلْبَكَ بِالْهَاتِفِ لَحْظَةً
فَالْعَيْنُ غَافِلَةٌ، وَالْقَلْبُ قَدْ غَفَا
إِنِّي أُحِبُّكَ حُبًّا لَا يُجَارَى
أَنْتَ الْحَنَانُ، وَأَنْتَ ظِلِّي وَالْهَنَا
فَرِفْقًا يَا أَبِي، وَدَعْ عَنْكَ الْعَجَلَةْ
إِنَّ السَّلَامَةَ فِي التَّأَنِّي وَالْهُدَى
وَأَنْتَ لِأَجْلِي تَعِيشُ، فَلَا تُخَاطِرْ
كَيْ نَحْتَفِي بِكَ كُلَّ صُبْحٍ وَالْمَسَا
يَا بُعْدَ قَلْبِي، إِنْ أَصَابَكَ مَكْرُوهٌ
فَمَاذَا أَفْعَلُ إِنْ ذَهَبْتَ بِلَا دَوَا؟
فَكُنْ لِي عَوْنًا عَلَى دَهْرٍ غَشُوم
لَا يَأْبَهُ لِلنَّاسِ، لَا يَعْرِفُ الْوَفَا
هَذِهِ وَصَايَايَ، أَرْجُو أَنْ تُجِيبَهَا
فَقَلْبُ الصَّغِيرِ عَلَى الْأَحِبَّةِ مَا اكْتَفَا
وصف القصيدة:
هذه قصيدة تفيض بحس الطفولة العذبة، حيث تمتزج فيها براءة القلب بصدق المشاعر في لحن شعري رقيق. تظهر الطفلة كأنها ملاك صغير، تمدّ لوالدها مصابيح النصح في عتمة الطريق، وتدعوه إلى التأني كمن يخشى على جناح العصفور من أن تعبث به رياح الشتاء.
في طيات الأبيات، ينبض الحب والخوف معًا؛ حب نقي يتدفق في كل كلمة، وخوف لطيف يتسلل بهدوء كنسيم الليل ليحيط بالأب، يرافقه في كل منعطف ويوشوش في أذنه: "أنت عالمي، فتمهّل لأجلي."
يأتي السجع في هذه الأبيات كما تأتي زقزقة العصافير مع الفجر؛ عذبًا وممتعًا، ينساب في الأذن دون عناء، ويترك أثرًا في القلب كأغنية لا تُنسى. النصائح هنا ليست أوامر جافة، بل حكاية حب صغيرة تُحاك بلغة رشيقة تحمل لطف الطفولة.
تُبرز القصيدة شعور الطفلة بالخوف من المجهول، خوفًا لا يشوبه إلا الحنان. هي لا تملك إلا كلماتها البريئة لتطلب من والدها أن يكون حذرًا، كمن يريد أن يطيل بقاءه بجانبه. كأنها تقول: "لا تسرع، فالطريق غدار، وأنا بحاجة إليك كل صباح ومساء."
هذه القصيدة تذكّرنا أن النصيحة التي تأتي من قلب طفل، مهما بدت بسيطة، تحمل أعظم معاني الحب. فالأمان في الطريق يشبه زراعة الحقول؛ يحتاج إلى صبر، لكنه في النهاية يُثمر راحة وسلامًا دائمين.

إرسال تعليق